وقعت أحداث دامية في الكرك، جنوب الأردن، حيث اشتبكت مجموعة من الجماعات السلفية القتالية مع قوات الأمن، ذهب ضحيتها 11 شرطياً ومدنيان وسائحة كندية، وقتل فيها أيضا 6 من مقاتلي الجماعات الذين يبدو أنهم ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وفقاً لبيان نشره على موقعه على الإنترنت (أعماق)، وهي عملية وإن كانت أكثر عنفا من سابقاتها، فإنها تقع في سياق جديد للإرهاب في الأردن، يستهدف، بوضوح وقصد، قوات الأمن والجيش، وبتنفيذ يتضمن مستوى متقدماً من الاحتراف والتدريب والتخطيط والمفاجأة، ولم تعد العمليات الإرهابية كما كانت في السابق قائمةً على الكراهية وإثارة الذعر، وفيها ارتجال وعشوائية كثيران؛ وتعكس جميعها تفكيراً موحداً وخطة موحدة، وهي بوضوح استهداف الدولة ونظامها السياسي والأمني.

وبالطبع، ليس الأردن خارج العالم أو خارج الإقليم المضطرب، وفي ذلك يجب ألا يكون مفاجأةً ما حدث في الأيام القليلة الماضية، بالنظر إلى الأحداث العنيفة التي وقعت في الوقت نفسه في مصر وتركيا وألمانيا،.. وما يحدث بالطبع في سورية والعراق.

يتشكل اليوم مجتمع عالمي من المخاطر المتشابكة، إلى درجةٍ تجعل وصف عالم الاجتماعي الألماني، أولريش بك، حاضرا ومستعادا، وفي ذلك تنشأ أيضاً تحديات وقيم عالمية، تجعل العنف والإرهاب، في تأثيرهما وتداعياتهما، عابرين للحدود، وغير مرتبطين بدولة، ولم يعد ممكناً السيطرة على الإرهاب من خلال إدارة حكومية أو بمراقبة الحدود، فهو يستخدم وسائل وأساليب تصعب معرفتها أو توقعها.

يقول أولريش بك إن المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار، مفسحًا المجال لمجتمع جديد تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرة ومعايير السلوك الإرشادية، وأصبحت دلالة المخاطرة اليوم شديدة الآنية والأهمية، في لغات التقنية والاقتصاد والعلوم الطبيعية، وكذلك في لغة السياسة، وتستند ديناميكية مجتمع المخاطرة إلى الافتراض الذي يجعلنا نضطر، اليوم وفي المستقبل، إلى العيش في عالم مخاطر لم تكن موجودة، إلا أننا نعيش في عالمٍ يجب أن يتخذ قرارًا بشأن مستقبله، وفقًا لشروط عدم الأمان المصطنع والمصنع ذاتيًا.

وفي مواجهة وتوقع المخاطر العالمية (مثل البيئة والتغير المناخي والإرهاب والأزمة المالية)، يتغير مفهوم المجتمع في القرن الحادي والعشرين، ويمكن وصف هذا التغير بـ “عدم اليقين”، وهما مفهومان يشيران إلى تحول هائل وشامل في المجتمع. وهناك تحول ثقافي عام يحدث؛ إذ ينشأ فهم آخر للطبيعة وعلاقتها بالمجتمع، وكذلك فهم أنفسنا نحو الآخرين والعقلانية والمجتمعية والحرية والديمقراطية والتشريع، والفردية، ويكون مطلوبًا، وتنشأ بالفعل أخلاقيات مسؤولية على مستوى كوكب الأرض جديدة، موجهة بحسب المستقبل، وتُحدث هوياتٍ جديدة وقوانين ومؤسسات دولية في المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقد بدأنا بالفعل (يقول أولريش بك) في بداية القرن الحادي والعشرين نرى المجتمع الحديث بعيونٍ أخرى، بفعل النظرة المستمدة مما هو غير متوقع، والمنبثق عنها مجتمع مخاطرة عالمي غير محدد. ولكن، أصبح القلق بشأن الكل مهمة الجميع، إذ لم يعد ممكنًا التفكير في المجتمع والسياسة والتاريخ بشكل محدّد قوميًّا، ومرتبط بمناطق اختصاص.

لا يحاول أولريش بك حصر المخاطر الممكنة للمجتمع العالمي نمطيًّا وتحديد أماكنها، ولكنه يتوسع في نظرية المخاطرة، من خلال منظور العولمة، وإجراء عمليات سيناريو وتصوير وإخراج لهذه المخاطر، والمقارنة المنطقية للمخاطرة وخصوصاً المخاطر الإيكولوجية والاقتصادية والإرهاب.

وفي الحديث عن مجتمع المخاطر العالمي، تدور أسئلة من قبيل: أليست المخاطر قديمة قدم البشرية؟ ألم تكن المجتمعات في الماضي والحاضر مجتمعاتٍ مخاطرة؟ ألا تبدو المخاطر العالمية أقل تهديدًا من مخاطر ألفها العالم أو تجاوزها، مثل حوادث المرور والأوبئة والمجاعات؟ أليست المخاطر قوة دفع أساسية، لاكتشاف عوالم وأسواق جديدة؟ يقول أولريش بك مجيبًا: من الممكن توضيح علاقات سلطة تفسير المخاطرة في أربع نقاط: من الذي يقرّر خطورة المنتجات والأخطار والمخاطر أو عدم مخاطرتها؟ ومن المسؤول ومن المتضرّر؟ وما نوع المعرفة أو عدم المعرفة بالأسباب والأبعاد المرتبطة بالمخاطر؟ وما الذي يعد بمثابة إثباتٍ في عالمٍ تذوب بداخله المعرفة وعدم المعرفة بالمخاطر، وكل المعارف تعد محلاً للشك والاحتمال؟ ومن الذي يقرّر تعويض المتضرّرين داخل دولةٍ أو أكثر من دولةٍ إقليمية؟
ولكن، ما الذي يميز المخاطرة العالمية؟ إنها تتميز بعدم التمركز، ولا تقتصر آثارها وأسبابها على مكان أو نطاق جغرافي محدّد، ولا يمكن حساب نتائجها، وغير قابلة للتعويض، إذ يفقد منطق التعويض مفعوله، وتحل محله الحماية عن طريق الوقاية.

ويلاحظ في الحياة اليومية لمجتمع المخاطر العالمي أن هناك نزعة جديدة إلى الفردية، حيث على الفرد أن يتخذ قراراته الخاصة بنفسه، في مواجهة عدم يقين المجتمع الدولي، وقد أصبح الفرد مجبرًا على أن يفقد الثقة بالوعود العقلانية للإعلام والدولة؛ ونتيجة لذلك ارتدّ الإنسان إلى نفسه.

وهناك أيضا نزعة أو اتجاهات جديدة لإعادة مسؤولية الدولة، ففي ظلّ ما يمكن اعتباره فشلاً لليبرالية الجديدة، وإعادة صياغة المخاطر الكونية، تشكلت أفكار واقعية لعالم مهدّد بالمخاطر يكون دور الدولة وشرعنته حلاً أو فكرة للحماية من المخاطر.

وقد يبدو أن المخاطر العالمية، وخصوصاً الإرهاب ، عدو جديد مرغوب فيه، ويلبي احتياجاتٍ لدول تبحث عن عدو. يشجع مجتمع المخاطر العالمي على منطق تاريخي مفتاحي، فليست هناك أمة واحدة يمكن أن تتغلب على تلك المشكلات، كما أن إيجاد بديل سياسي واقعي أمر ممكن في عصر العولمة، وذلك البديل يواجه خسارة سلطة سياسة الدولة، بالنظر إلى رأس المال المتعولم، إلا أن الشرط اللازم لذلك هو ألا تفسر العولمة باعتبارها قدرًا اقتصاديًّا، بل باعتبارها لعبة استراتيجية للسيطرة على العالم.

المصدر:”العربي الجديد”.