كلما تصاعدت أسهم بقاء نظام بشار الأسد، بسبب أولوية القضاء على إرهاب خصومه، تصاعد الجدل حول اختلال المعايير الدولية، وتظهر مظلومية تتعجّب من تركيز العالم على الإرهاب السُني، لا الشيعي.

وعلى الرغم من اختلال المعايير الدولية قطعاً من الجوانب الأخلاقية، وأبسط أخطائها عدم فرض منطقة حظر جوي لحماية المدنيين السوريين، لكن هناك أنواعاً أخرى من الأسباب السياسية تفسر اختلاف التعامل، خصوصاً أنه بالعكس كان موقف الغرب الأساسي ضد بشار الأسد، وحصل معارضوه على دعمٍ وصل إلى التدريب والتسليح لبعضهم.

أول هذه الأسباب اختلاف طبيعة الفاعلية الدولية بين المعسكرين، الشيعي والسني، بمعنى أن إيران أثبتت قدرتها على السيطرة على حلفائها ومليشياتها، وبالتالي يعرف المفاوض الغربي أن بإمكانه عقد صفقةٍ تشمل الملف النووي، والعراق وسورية واليمن ولبنان، وهذه ممارسةٌ سياسيةٌ يفهمها العقل الغربي، ويحترمها حتى لو كره أطرافها.

على الجانب الآخر، تتشتت الفصائل السُنية بين مئات القادة وعشرات الممولين، ويستحيل أن يُعقد اتفاقٌ مع السعودية أو تركيا تلتزم به “داعش” و”النُّصرة” أو فصائل أقلّ منهما. لا ممارسة سياسية، وهذا لا يحترمه العقل السياسي الغربي الذي يعمل بالحسابات المباشرة. هل لو تم التوصل إلى حلٍّ ينصّ على رحيل بشار في مقابل تسويةٍ سياسيةٍ ما يمكن للمعسكر السني إنفاذ ذلك؟ إيران لا ترغب، بينما السعودية لا تستطيع.
وكما تختلف الفاعلية الدولية، يختلف الطموح الدولي أيضاً. أهداف المليشيات الشيعية إقليمية فقط، حقاً تستخدم خطاباً طائفياً متطرّفاً، وتمارس كل أفعال الإجرام بما فيها الذبح، لكن ذلك كله موجهٌ نحو الآخر السُني القريب فقط.

لم يختطف تنظيم شيعي رهائن غربيين ويذبحهم أمام الكاميرات، لم يقتل شيعي رواد مسرح في فرنسا، أو مرتادي سوق في ألمانيا، ولم تنفذ خليةٌ شيعية تفجيراً إرهابياً في مطار بروكسل. هذه كلها أفعال تنظيمات سُنية فقط، وهي فقط من تنادي بعودة خلافةٍ من أولوياتها فتح هذه البلاد الكافرة، فليس العجيب هنا أن يكون رعب الشعوب والحكومات الغربية وأولويتها ضد الإرهاب السُني، بل كان سيكون عجيباً لو لم يفعلوا.
جانب مهم آخر هو توافق صورة نظام بشار مع النظام العالمي، بعكس صورة “داعش”، صورة بشار ذي البذلة الفاخرة، وزوجته العصرية الأنيقة، تظهر مقابل صور اللحى الشعثاء واللغة التي تحمل مصطلحاتٍ غريبة من خارج التاريخ.

يظهر بشار متحدّثاً بالإنكليزية بلباقة الطبيب الواثق من نفسه، لينفي كل شيء ويزايد أخلاقياً. مثلا، يضحك وهو يجيب بهدوء “ليست لدينا براميل أو ربما أواني المطبخ”. وعلى الرغم من أن كل الجهات الدولية وثقت مقتل آلاف المدنيين بالبراميل، فإن أثر إعدام “داعش” حرقاً رهينةً واحدة يؤثر دولياً وشعبياً أضعاف الضحايا المحروقين ببراميل الأسد. هذه قواعد هيمنة الصورة.

في عيد الأضحى الماضي، أصدر كل من نظام بشار وداعش فيلمين دعائيين متزامنين، عرض التلفزيون الرسمي السوري مشاهد من صلاة بشار ورجاله في مدينة داريا، التي اكتمل خروج أهلها جميعاً منها بعد سحقها.
يستمع بشار لخطبة العيد من خطيب سُني ذي عمامة بيضاء ناصعة، ليؤكد صورة الدولة الوطنية الحامية كل مكوناتها، ويستخدم عبارات عاطفية بعدها: “هذه ليست رسالة للسوريين، فأنا وكل السوريين نعيش حالة واحدة”.

في المقابل، نشر تنظيم داعش تصويراً لذبح 19 شاباً داخل مسلخ مخصص للمواشي. نستمع لصوت البغدادي يخاطب رجاله “تقبل الله ضحاياكم بمرتدّي الصحوات”، ونشاهد ببطء عملية ذبح الشباب، وتعليقهم من أرجلهم بالسلاسل الحديدية حتى تصفية دمائهم، ثم سحبهم على الأرض.

على الرغم من أن حجم الضرر لا يُقارن، فنظام بشار قتل الآلاف من أهل داريا، وتم تهجير كامل سكان المدينة، ودُمرت 90% من مبانيها التي تعرّضت خلال عام 2015 فقط للقصف بـ 3430 برميلاً، لكن هذه قواعد عصر الصورة، وقواعد النظام العالمي. كُن جزاراً كدولة، وليس كمنظمة إرهابية.

نتمنى عيداً بلا جزاري بشر، أياً كانت فعاليتهم السياسية، وأياً كان التزامهم بقواعد الصورة.

المصدر:”العربي الجديد”.