ما كادت قناة السويس تستقر في أيدينا بأعجوبةٍ في عام 1956، ونرى ذهبها يلمع في أكُفِّنا، حتى مضينا نُلقي به على تلال اليمن.

وكانت قبائل اليمن التي نريد استمالتها إلى جانبنا لا ترضى بغير الذهب. فكانت تُلقى إليهم من طائراتنا الزكائب الممتلئة بالأصفر الرنَّان. كما كانت تُرمى من الجو لجيوشنا أطنان التموين والغذاء من صفائح الجبن الفاخر والمعلبات واللحوم والفواكه.

ولكن الشمس الحارقة، وعدم وجود ثلاجاتٍ، كان يُفسد هذه الأطعمة، فتُترك في أماكنها مُكدَّسة، وقد لعب فيها الدود، وانتشرت منها رائحة العفن، فلا يقربها أحد، وأهل مصر من الجياع والمحرومين لا يعرفون أن طعامهم هذا الذي يتمنُّونه مُلقىً للحشرات على تراب اليمن السعيد.

وهل استملنا مع ذلك قبائل اليمن بذهبنا؟ قيل إن القبائل، حتى الموالية لنا، كانت تأخذ ذهبنا بالنهار، وتترصَّد لضباطنا وجنودنا في الليل، فتصطادهم، وتجز رؤوسهم، وتبيعها للطرف الآخر غير الموالي. ثم بعد ذلك أنتهى الأمر باليمن كلها أن سارت مخالفةً لمصر في اتجاهها السياسي.

إن تاريخ حرب اليمن سيُكتب يوماً في صفحاتٍ صادقةٍ لنعرف حقيقة ما جرى هناك. وماذا كانت النتيجة التي خرجنا بها؟

إن من المؤكد الآن هو أنه، بالإضافة إلى الأرواح التي ضاعت من جيوشنا، وتُقدَّر فيما يُقال بعشرات الآلاف من الرجال، فإن المعروف أيضاً أن غطاء الذهب الذي نملكه قد ضاع بأكمله في هذه الحرب الضائعة.

النص سالف النشر هو للكاتب الكبير توفيق الحكيم، وردَ في كتابه “عودة الوعي”، الصادر في نصه الأصلي والكامل صيف 1974 في بيروت، وهو واحد من عشرات، وربما مئات، النصوص المنشورة في سياق كتبٍ، أو في صورة مقالاتٍ أو دراساتٍ أو أوراق ندوات، وجميعها اتفقت على معظم ما جاء في هذا النص القصير للحكيم، وإنْ اختلفت، أما في التفاصيل والبيانات والأرقام، لاسيما عدد القتلى والجرحى في صفوف الجنود والضباط المصريين، وأما في الموقف القومي والسياسي من الدعم المصري لثورة اليمن، بين موافق عليه أو رافض له تماماً أو غير مُحبِّذ له من باب “ما يحتاجه البيت يُحرم على الجامع”.

والحق أن قصة الدعم المصري لثورة اليمن، أو الوجود المصري في اليمن بلغة أخرى، لم تكتمل فصولاً بعد، فما زالت تتكشَّف، يوماً إثر يوم، حقائق ومعلومات وروايات جديدة، لم تُنشر أو تُحْكَى من قبل.

حتى إن مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات، سامي شرف، أكّد، ذات ليلة أيلولية دافئة من العام 1995، وفي حضور كاتب هذه السطور، في عاصمة عربية، أن خزانة الوثائق والملفات الخاصة بتلك الفترة وتلك الوقائع أو الأحداث هي أضخم من أن تضمها مئات المجلدات، وأخطر من أن تتضمنها الأحاديث والكتابات.

ويُستفاد من هذا الكلام أن قصة مصر في اليمن ستظل ناقصة، وما أكثر القصص الناقصة في إضبارة التاريخ. غير أن الدرس الآخر، ومن سطور توفيق الحكيم نفسها، هو اتِّصاف القبائل اليمنية بصفة أخرى، غير الشراسة في القتال المعروفة عنها عبر التاريخ، وهي الغدر، “إن القبائل، حتى الموالية لنا، كانت تأخذ ذهبنا بالنهار وتترصَّد لضباطنا وجنودنا في الليل، فتصطادهم، وتجز رؤوسهم وتبيعها للطرف الآخر غير الموالي”.

وفي روايات أخرى لرواةٍ آخرين، بعضهم يمنيون، أمثلة مرعبة شتى على ما تعرّضت له القوات المصرية حينها من غدر القبائل اليمنية في الحرب التي وصفها توفيق الحكيم بـ “الحرب الضائعة”.

المصدر:”العربي الجديد”.